Enter keyword
Search Only

NEWS & PRESS RELEASES

أزمة الكورونا تفتح ملف التعامل مع الكوارث الطبيعية والصحية

4/16/2020 11:20:00 AM

تساهم العلوم والتكنولوجبا في برامج إدارة الكوارث الطبيعية والصحية من وضع الأطر والمنهجيات والبرمجيات ومعايير تقييم المخاطر ونمذجتها بهدف تعزيز قدرة المجتمعات المحلية على المجابهة.

يُعتبر لبنان من أكثر الدول نشاطاً والتزاماً بتطبيق الاتفاقيات الأممية مثل "إطار سينداي" و"إتفاقية باريس للمناخ" و"أهداف التنمية المستدامة" و"أجندة الأمم المتحدة للعام 2030"، وآخرها "استراتيجية الدول العربية للحدّ من مخاطر الكوارث".

وبسبب طبيعته وموقعه الجغرافي، يعتبر لبنان من الدول المعرضة لكوارث طبيعية عدّة كالزلازل والمد البحري، انزلاقات الأراضي، السيول والفيضانات، وحرائق الغابات، بالاضافة الى الجفاف وتدهور الأراضي والتربة. أما الكوارث غير الطبيعية كالتلوث البحري والبيئي، بالاضافة الى التلوّث الاشعاعي والبيولوجي والكيميائي فلها حيّز هام أيضاً. هذه الحوادث الطبيعية وغير الطبيعية المتكررة كانت موضع دراسات نفذّها و ينفّذها "الذراع العلمي" للدولة اللبنانية المتمثل بـ "المجلس الوطني للبحوث العلمية" الذي أولى منذ أكثر من عقدين أهمية قصوى لوضع الدراسات ذات الصلة وذلك عبر مراكزه العلمية الأربعة (الإستشعار عن بعد، الطاقة الذرية، مركز الجيوفيزياء، ومركز علوم البحار) وعبر برامجه الداعمة للعلميين في مختلف الجامعات ومراكز الأبحاث اللبنانية.

ففي أواخر تسعينييات القرن الماضي، كان المجلس أول من أجرى تقييماً شاملاً لتلوّث نهر الليطاني وآثاره السلبية. ولم يكتف المجلس بوضع التقارير والأوراق العلمية بل سعى عبر ورش عمل توعوية إلى تسليط الضوء والتنبيه من الكوارث المترتبة من هذا التلوث على الانسان والبيئة، والتي للأسف كانت في نهاية المطاف حتمية.

كما أجرى باحثو المجلس، خلال الأعوام 1998-2001، مسوحات جوية وبحرية على طول الشاطئ اللبناني لتحديد مواقع المياه العذبة في البحر ورصد آلية تغذيتها عبر المرئيات الفضائية والمسوحات الجيوفيزيائية. وقد أظهرت الدراسات وجود حوالي 62 نبعاً للمياه العذبة في البحر، قُدِّر تصريفها بحوالي 600 مليون متر مكعب سنوياً تذهب هدراً في البحر، بينما يمكن الاستفادة منها عبر آليات دقيقة يتم تنفيذها خلال مواسم الشح.

بالإضافة الى ما سبق، فقد وضع المجلس أولى المخططات والخرائط الغرضية التي تغطي كافة الأراضي اللبنانية، منها مثلاً خرائط مخاطر الزلازل، الفيضانات، حرائق الغابات، إنزلاقات الاراضي، وتعرية التربة، والتي ساهمت في وضع المخطط التوجيهي الشامل للبنان عام 2002. ويقوم المجلس دورياً بوضع خرائط إستخدامات الأراضي التي تساهم في رصد التمدّد العمراني وتحديد الزراعات وتدهور الأراضي وتقلص مساحة الغابات.

وقد أولى المجلس أيضاً إهتماماً بعدة محاور تتعلق بالأمن الغذائي، وأهمها ما يرتبط بزراعة القمح. وإسهاماً في الحفاظ على المال العام وتفعيل دور الرقابة، خصص المجلس منذ عام 2016 فرقاً ميدانية لمسح الأراضي المزروعة بالقمح والشعير في كل لبنان، وذلك بالاستعانة بصور الأقمار الصناعية العالية الدقة والتي يتم التقاطها بالتزامن مع أعمال المسح الميداني لمضاهاتها ونمذجتها رقمياً، ضمن قواعد بيانات جغرافية تتضمن الصور الفوتوغرافية لكافة العقارات المزروعة. وقد أدّى هذا المسح الشامل والاحصاءات الدقيقة الى تحصيل وفر مالي لا يقل عن 15 مليار ليرة سنوياً والى الحدّ من التلاعب بالمساحات المزروعة الذي شكّل 50 % من الانتاج المدعوم.

ومن أجل تعزيز القدرة على مواجهة الأخطار ورصدها والتنبؤ بها، وتقديم المساعدة لوحدة إدارة المخاطر لدى رئاسة مجلس الوزراء، وتنفيذ إجراءات الوقاية والتأهب وتوفير المعلومات الدقيقة لمتخذي القرار، يستخدم المجلس أنظمة الإنذار المبكر عبر مستشعرات أرضية وأنظمة مراقبة من خلال الاقمار الصناعية. منها مثلًا أنظمة رصد التسرب الإشعاعي عبر 17 محطة موزعة على كافة الاراضي اللبنانية، محطات قياس جيوفيزيائية لحركة الهزات الارضية، أنظمة تحديد المواقع العالمية لرصد الحركة التراكمية للصفائح التكتونية، وأجهزة مراقبة المد البحري واالتي ترتبط بشبكة متكاملة على البحر الابيض المتوسط، بالاضافة الى أجهزة قياس النتح والتبخر، وقياس تراكمات الثلوج بواسطة أحدث المعدات على نطاق المنطقة المتوسطية، وسفينتين علمييتين (قانا وقدموس) مجهزتين بتقنيات متخصصة تعمل على سبر ومسح الأعماق وتحديد الأماكن الملوثة، ومسيّرات متخصصة (professional drones) تساعد في تتبع ودراسة الانهيارات الارضية ( مثل كفرنبرخ، سيدة النورية، نفق طرابلس) والسيول (رأس بعلبك) وحرائق الغابات ( حرائق تشرين 2018).

ومن الجدير ذكره أن لدى المجلس نظام إنذار مبكر (SuNaR) يعتمد على معطيات الأقمار الصناعية التي تتيح التنبؤ بالفيضانات وحرائق الغابات وهو الذي يمدّ الدفاع المدني بمعلومات مفصلة لإصدار نشرة يومية تعرض إحتمالات حدوث حرائق غابات في الـ72 ساعة القادمة. ولقد كان لهذا النظام أثره الفعال في اتخاذ القرارات الاستباقية في غرفة العمليات الوطنية للكوارث والحدّ من الحرائق الأخيرة التي شهدها لبنان في شهر تشرين من العام المنصرم.

كورونا أزمة أممية...

اجتاحت أزمة فيروس كورونا المستجد العالم بأسره وانهارت معها أنظمة صحيّة وعجزت دول ومراكز أبحاث عالمية كانت تعتبر الأكثر تقدماً بين الأمم في إيجاد علاج ناجع. كما أدّت أحياناً إلى ظهور نظريات فاشية تعتبر أن الانسان مجرد رقم خاسر يتعيّن التخلص من عبئه على خزينة الدولة حينما يكون ضعيفاً أو غير منتج.

في المقابل، يسائل العالم نفسه اليوم عن "الحاجة للدبابات والطائرات والرؤوس النووية ومصانع الأسلحة"، وعن مدى قدرتها على الحماية، في الوقت الذي لا نجدّ فيه سريراً للاستشفاء؟ وألم يكن من الأجدى بالدول التي تُصنع الأسلحة وتكدسها ضمن سباقها المحموم للسيطرة على المقدرات والموارد الطبيعية بأن تسعى الى صرف أموالها في الاستعداد وجبه الأخطار للحدّ من أخطار الكوارث؟ فالعالم يتطلع اليوم الى ما سوف يتوصل إليه العلميون في آسيا وأوروبا والولايات المتحدة، من عقاقير ولقاحات لمجابهة وباء كوفيد-19، في مهمة تاريخية وإنسانية بامتياز تتغاضى عن الادعاءات غير المنصفة التي تطال المجتمع العلمي وتتهمه بالتقصير وعدم القدرة على توقع وصول هذه الجائحة. والأهم أن البشرية اليوم تستعيد ثقتها وإيمانها بأن الملاذ الوحيد لن يكون إلا بتسخير العلوم والتكنولوجيا والاستثمار في القطاع الصحي.

أما في لبنان، فقد حان الوقت للإلتفات أكثر الى البحوث العلمية وتمكينها، وإنشاء المراكز المتخصصة بالبحوث الطبيّة والصحة العامة، والعمل على إتخاذ القرارات بالإستناد إلى أسس علمية. إن جلّ ما تنفقه الحكومة على الأبحاث والتعليم العالي لا يتعدّى 0.2 بالمئة من الناتج القومي. أما على صعيد المجلس، فتجدر الإشارة إلى أن ما يصله من خزينة الدولة لا يتخطى 60% من موازنته الإجمالية التي لا تتجاوز 10 مليارات ليرة والتي يُنفق منها ما يزيد عن 85% على تمويل البحوث وبرامج الدكتوراه ومشاريع مراكزه الأربعة، في حين لا تشكّل المصاريف الإدارية إلا نسبة ضئيلة منها. في ظلّ هذه الميزانيات الحكومية التي لا تلبّي الطموحات العلمية، لا يمكن للمجلس أن يعالج كل المحاور العلمية والتكنولوجية والصحيّة التي تشكّل تحديّات راهنة ومستقبلية للمجتمع اللبناني، والحال كذلك في كل مراكز البحوث في منطقة الشرق الأوسط وجنوب أوروبا، والتي لا يمكنها أن تحقق اختراقات فعلية إلا بتضافر جهود العلميين والجامعيين وتوفر موارد مالية لا تقل عن 2 بالمئة من الناتج القومي.

وبالرغم من هذه المعطيات، فقد باشر المجلس بحشد جميع طاقاته العلمية والبشرية وامكانياته التقنية والفنية لمساندة وحدة إدارة المخاطر واللجنة المتخصصة لمتابعة جائحة كورونا. إذ يقوم المجلس بتنظيم سيل البيانات الواردة وأتمتتها وتحليل أنماطها، وتقديمها لغرفة العمليات المركزية لمعرفة عمليات الفرق العاملة على الارض بشكل آني، وللإسراع في اتخاذ القرارات المناسبة. كما ويساعد في تحليل البيانات الكبيرة (Big Data analysis) الضرورية لوضع خطط استباقية لتحديد اماكن العزل، ومتابعة حالات الحجر وتطويق المناطق المحتمل تفشي الوباء فيها، وفي إعداد التقرير اليومي الذي تصدره وحدة إدارة المخاطر عن الوباء.

كما أطلق المجلس إعلانًا عاجلًا لتقديم دعم مالي لمشاريع طبية وتقنية من شأنها أن تعطي نتائج عملية لجبه التحديّات الاستشفائية الراهنة، وتمكين القطاع الصحّي في لبنان من الإستفادة المباشرة من نواتجها. اليوم، لا تزال الفرصة سانحة لكل من لديه مبادرة جدية لتقديم خبراته والمساهمة الفعّالة بالحدّ من الكارثة الإنسانية العالمية. كما أن التزام باحثي المجلس بالحجر المنزلي لم يمنعهم من المساهمة مباشرة واتخاذ مبادرات مبتكرة في العديد من المشاريع المرتبطة بتصنيع أجهزة التنفس الأصطناعي ومتابعة إدارة الأزمة الصحيّة من خلال غرفة العمليات في السرايا الكبير، ومعالجة النفايات الطبية المستجدة من وسائل الوقاية الحالية وأثرها على الموارد المائية السطحية والبحرية، وتحويل برامجه البحثية والمشاريع التي يدعم تنفيذها في الجامعات اللبنانية (18 جامعة) لمعالجة مختلف الجوانب الصحية والبيئة والتكنولوجية لجانحة كورونا، حيث ما أمكن.

 

د. شادي عبدالله
* مدير أبحاث لدى المجلس الوطني للبحوث العلمية
متخصص في إدارة الكوارث الطبيعية